07 August 2008

* Rigina Snayfir LF Book (extract)

ريجينا صنيفر مواطنة من بلدة "الحدث" التحقت وهي في الثامنة عشرة "بالقوات اللبنانية" وقاتلت، وصولاً الى ان تتولى مسؤولية في مقر القيادة العامة.
في كتابها "القيت السلاح" تروي ريجينا تجربتها في "القوات اللبنانية"، وتسـرد بأسـلوب شيّق معاناتها التي انتهت بالتخـلي عن هذه القـوات وعن منطق الحرب، وهي التي شـاهدت مآسي رفاقها في المعتقلات.
من كتابها هذا نختار مقاطع جديرة بأن تقرأ.
في قعـر السجـن
لدى وصولي الى السجن بعد بضعة ايام على اعتقال مناصري ايلي حبيقة، يستقبلني آمره، ويطلب من الحارس مرافقتي. يقبع خلف هذه الجدران خمسون معتقلاً تقريباً. في الداخل، اكتشفت متاهة من الاروِقة، وقد اصطفت الزنزانات على جنباتها. لقد تآكل العفن هذه الأمكنة، ورشحت الرطوبة من الجدران ففاحت، على نحو مثير للخجل، فالرطوبة ترشح من الروائح النتنة.
يجيز لي الحارس بعشر دقائق في كل زنزانة، ويفتح الباب الحديدي الأول، ليدعني ادخل. تنبعث من داخلها رائحة حادّة. انهم اربعة معتقلين يتكدّسون في زنزانة لا تتجاوز مساحتها المتران المربعان. لا يستطيع النور دخولها، ولا يتسلل الهواء الى داخلها الا من شق صغير للغاية ثُقب في الباب المعدني. أتعرّف فيها الى المصري، وهو واحد من شبان الحدث. يبدو منزعجاً وفرحاً في آن لرؤيتي. اجلس أرضاً بقربه، فيلتصق المعتقلون بعضهم ببعض أكثر، وهم يحرصون على عدم انقلاب قنينة البول الملتصقة بالحائط. لا يُسمح لهم بارتياد المراحيض الا مرة واحدة في اليوم، وخلال الليل، ينبغي ان يتناوبوا في الاستلقاء على الارض للنوم. يقول المصري: "قولي لهم اننا لم نفعل شيئاً". لا أفهم على الفور معنى تلك الجملة، ثم لا ألبث ان ادرك انه يعتقدني مبعوثة من قبل سمير جعجع، وقد أوكلني بمهمة خاصة في السجن. إمرأة في السجن، انّ في الامر ما يثير الشك. وأحسّ على الفور بالحقد يتسلل داخل نفس كل منهم، فيبلغ منها القعر. أعرف ان رجال حبيقة لا يرون فيّ الا المؤيدة الوفية لجعجع. فكيف لهم ان يعتقدوا غير ذلك، وهم يعلمون انني كنت من المقربين منه منذ الانتفاضة؟ أدرك إذ ذاك قرفهم واشمئزازهم مني، مما لم يمنعني من متابعة زيارتي، فانا اريد ان أُفهمهم انني في صفهم، انني أرثي لحالهم، ولحال هذا السجن، وظروف اعتقالهم تلك، والهَوان الذي يتعرضون له. فأقول لهم: "سأتصل بعائلاتكم لكي أنقل اليهم أخباركم وسأعود قريباً".
في الزنزانة الثالثة، أتعرف الى الريّس فؤاد، وهو رجل نكنّ له الاعجاب والتقدير في الحدث، لاستقامته واهتمامه بالمقاتلين من الشبان. كان واقفاً ملتصقاً بالحائط عندما فتح لي الحارس الباب. ينهار على ركبتيه عندما يراني أدخل، وقد أحنى رأسه علّه يخفي بانحناءته دموعه. أضع يدي على كتفه، فإذا بظهره يهتز من البكاء الذي يجهش به. وبعد بضعة لحظات طال أمدها، ينتصب الريّس فؤاد بصعوبة على قدميه، وهو يستند الى الحائط. انّ الألم يتحكّم بساقيه وقد تصلبتا كما الحجر، فباتتا تنوءان بثقل جسده. انني أرتجف أمامه، وتراودني الرغبة في أن أشرح له براءتي من كل هذه الأحداث المشينة البغيضة. فينظر اليّ الريّس فؤاد بعطف ومودّة ويسألني ان أحمل اليه دواءه الذي يعالج به قلبه، فهو لم يتناوله منذ ثلاثة أيام.
يقبع غسان في الزنزانة الاخيرة. يفتح لي السجّان الباب. أتردد لحظة قبل ان أقوم ببضعة خطوات. وإذ رآني أدخل، ابتسم، ابتسامة جامدة، ولكنها ابتسامة. لا يزال إذن قادراً على الابتسام. أدرك بارتياح انه أقوى مني. أبقى دون حراك لوقت طويل ألزم الصمت، فلا أتفوّه بكلمة.
ما إن أغادر السجن، حتى أسارع الى زيارة أم غسان لكي أنقل اليها أخبار ولدها. وما إن أصل دارها، حتى تمدّ لي يداً، حفر الزمن فيها التجاعيد، وتشير بالأخرى الى تمثال للقديس أنطونيوس، وقد أدار برأسه ناحية الحائط، كالطفل المعاقب بالوقوف في الزاوية لحماقة أتى بها. ولا تلبث ان تقول لي:
-   لقد عاقبته. لقد عهدت اليه بغسان. كان عليه ان يصغي الى صلاتي. وبما انه لم يفعل، فلقد عاقبته.
 ثم، تشدّ علي يدي بقوة أكثر مكملة كلامها، وقد سمّرت ناظريها بالتمثال: "لا يستحق غسان السجن. احرصوا عليه فلا يصيبه سوء".
وفي اليوم التالي، أعود الى السجن وقد حملت معي بعضاً من الملبس النظيف والدواء وبضعة ألواح من الشوكولاته. يقتادُني الحارس الى زنزانة جديدة. وفي اللحظة التي يتحضّر فيها ليفتح بابها، يحذرني قائلاً: "هذا شرس. إنه واحد من أكثر النشطاء حماسة وقسوة. لقد عزلناه هنا".
عندما أدخل الزنزانة، أرى شاباً، وقد جلس على فراش من الإسفنج طُرِحت أرضاً وضم بذراعيه ركبتيه الى صدره بين ذراعيه. يداه المرتجفتان تتشبّثان بشعره كما لو أنها تريد إقتلاعه. يرفع إليّ عينيه فأرى وجهاً، حملت التجارب الشيخوخة اليه. أرى على أذنيه علامات الكيّ وكدمات زرقاء على وجهه. عينه قد أوسِعت ضرباً فشُوّهت، وشُرمت شفته العليا. أجلس بقربه، ولا أعلم لماذا آتي بما لم أجرؤ على الإتيان به من قبل: أُمسك يده، فأجدها باردة وأُحسّ بارتجاف عضلاتها. أقبض عليها بقوة أكثر، لكي أُعبّر له عن تعاطفي مع آلامه. وفجأة تنهمر الدموع من عينيه، كطَفح بركان حبيس منذ قرون، وجد له منفذاً للتّو. أنفاسه العميقة والمتسارعة تخفي كل الغضب الذي تجيش به نفسه، لكثرة ما تراكم وقُمع فيها. ثم يتنفّس عميقاً ويقول لي: "لقد قُتل أخي منذ بضعة أيام خلال معركة المتن. من المؤكد أنك تعرفيه، فأخي كان معروفاً". أصغي اليه لبضعة لحظات، ثم ينعزل في صمت طويل. ولكنه لا يأتي بكلمة واحدة عن التعذيب الذي تعرّض له، كما لو أنّ التعذيب لم يحصل فلم ينل منه. لعل الكلمات لن تقوى أبداً على عرض معاناة كرامة مغتَصبة ومسلوبة. قبل ان أدخل تلك الزنزانة، كنت وعدت نفسي بالتماسك كي لا أنهار. حتى الآن نجحت في الحفاظ على رباطة جأشي. ولكن أمام ذلك الشاب، لم أستطع الإمتناع عن البكاء. البكاء عليه، علينا. في تلك اللحظة بالذات ، فهمت للتو، اننا مغلوبون، وان قضيتنا فُرّغت من معناها، وهي تنازع مثل هذا الشاب وقد قبع حبيس وحدة مرعبة، هائلة، متشنّجاً من اليأس منهكاً من الألم، ضارباً في شيخوخة مبكرة.
أود لو أعود بالزمن الى الوراء، فأعود وإيّاه الى تلك الأوقات من الحرب التي حلم فيها بأن لبنان سيكون جميلاً، فأعود وإيّاه الى تلك الأوقات حيث كانت شجاعته تتغذّى من الأمل، فتنهل منها قوتها يومياً. "الغد ملك من خاطروا بِغَدهم". ألم يكن هذا ما وعدنا به أصحاب العقيدة المثقفون المتنوّرون، أولئك المفكرون الذين كانوا يقومون بزيارتنا على الجبهات. هذا ما وعدت به أنا نفسي المقاتلين الذين كنت ألتقيهم في ساحات القتال. البارحة، ولدى مرور المقاتلين، علت الصرخات تقول: "حماكم الله كما تذودون عنا". كنا نصفق لهم، نشدو بالأغاني على شرفهم. لقد اعتقد طويلاً أنه يخدم قضية نبيلة، عادلة.
يمرر لسانه على الدم المتيبس الذي يعلو شفته، ليبتلع دمعة سالت على خده، تلك الدمعة التي فاقت مرارتها مرارة خيبة أمله. فرجاؤه قد تلاشى كلياً، لم يكن الاّ وهماً، وباتت قضيته المقدّسة فيما مضى، بشعة كريهة. لقد مات اخوه.
انتهى كل شيء. يفتح الباب المعدني. الزيارة أيضاً انتهت.
فيما كنت أغادر هذه الزنزانة، تفرّست بالحارس باحتقار. وَدَدت لو أقول له: "أهذا من تحسبه قاسياً، سيئاً؟ انك ولا شك لم تنظر في عينيه، أما انا ففعلت، ورأيت فيه الطفل الذي يبكي، الذي يشعر بالخوف. إنه يتألم. إنه وحيد يرتجف. أمس، عندما كان هذا الولد الشرير يحمل السلاح ويقاتل على الجبهات، كان بطلاً. كان يدّعي الكِبَر، والأهمية، والقوة كما تماماً تفعلون انتم الآن. بل قل أفضل من ذلك، كان باستطاعته أن يسقط في القتال شهيداً. كيف سيعيش بعد ان عايش كل هذا؟ كيف سيقوى على الحلم، والرجاء والثقة بالآخرين؟ إنكم تسرقون غده وماضيه. جريمته الوحيدة أنه ينتمي الى الفريق القديم في القوات اللبنانية. فهو ما عاد الآن في الجهة الملائمة". ولكنني أعدل عن كلامي هذا مفضلة التزام الصمت فلا أقول شيئاً. وحدهم الرجال الأقوياء حقاً يستطيعون سماع نداءات الرأفة.
في ذلك السجن، يخضع المعتقلون للتعذيب. فالجلادون يريدون أسماءً واعترافات، لاقتناعهم ان رجال ايلي حبيقة هم بصدد التحضير لعملية عسكرية، يستعيدون بها مواقعهم بالقوة. بعض الذين يتعرضون للتعذيب، يقاومون فلا يفصحون عن شيء البتّة، فيما ينهار آخرون، وينتهي بهم الألم الى قول ما ينتظر الجلادون سماعه. خلال الاستجوابات، يفضل أحد السجناء، ويدعى جورج، ان يعطي معلومات ليتجنب التعذيب الذي يتوعّدونه به. ولتبرير الإعتقالات، تعرض اعترافاته على شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال، محطة التلفزيون تلك التي موّلها هؤلاء الشبان بدمهم وعرقهم. إذ لا بد من إقناع الرأي العام المسيحي بشرعية هذه الإعتقالات. ولكن الرأي العام، لا يأتي بأية ردّة فعل. فهو بات عاجزاً عن التمييز بين الصديق والعدو، بين الأخبار المروّج لها، والأخبار الصحيحة، بين القوة والعنف. 
الجـحـيم 
كيف السبيل الى تبرير تلك السجون؟ يستحيل عليّ، بل يشقّ عليّ تقبّلها، لا سيما انني كنت أكنّ الإعجاب والتقدير في الماضي، للشخص الذي اعطى الأمر بتلك الاعتقالات.
إنه منتصف الليل في قاعة الإنتظار المتواجدة في المقر العام الخاص بالقوات اللبنانية، حيث طال انتظاري أكثر من ثلاث ساعات على الأقل. فأنا لا أريد التخلي عن الأمر الذي من أجله أتيت. كما انني لا أريد السكوت عليه، إذ لا بد لي أن أطرد ما يتآكل أحشائي.
في صالة الإنتظار هذه، أكرر للمرة المئة المرافعة التي حضرتها للدفاع عن قضيتهم، فيما فكرة الفشل تعتصر معدتي. إنها الواحدة بعد منتصف الليل تقريباً، عندما يُفتح باب مكتب سمير جعجع. فتتسارع خفقات قلبي وتتصاعد الى حلقي، دون ان تقوى على صدّ ما أنطق به.
-     لقد عرفتك يوم عُدت من دير القمر. يومها حسبتك مختلفاً، فصدقت كلماتك ووثقت بك. أما اليوم، فإنني شديدة الاضطراب لما رأيته من فظائع تُرتكب في السجون. لا يسعك ادعاء الإنسانية والقبول بما يحدث فيها في آن. ان الفظاظة واضحة في كل من كلامي ونبرة صوتي. لا أدري مَنْ منّا نحن الإثنين، يعجب للحزم الذي رشحت به. فسمير جعجع لا يحب ان يوجه اليه الكلام على هذا النحو. وسرعان ما قبض تشنج الغضب على فَكَّيه، فيما استبد السّخط بنبرة صوته، إذ قاطعني قائلاً:
-      ماذا تحسبين؟ أو تظنين ان لدي ما يكفي من الوقت لمراقبة وملاحقة الجميع، ومتابعة كل الأمور عن كثب.
بهذا الكلام يبرر نفسه، ولا يلبث ان يفهمني انه ملزم باتخاذ قرارات صعبة، قائلاً:
-     لا نستطيع مواجهة التهديدات دون حفظ الأمن والنظام.
أقرأ في عينيه شعوراً بالسلطة الوقحة التي تقتات من نفسها. ما من شيء ينبغي عليه بعد الآن ان يقف في طريقه ولا ان يحول دون ارتقائه. فهو يدافع عن حقيقته، وأفعاله، وكل حقيقة لا تمت الى تلك التي يؤمن بها، بصلة، كسحها على الفور. لقد اختفى فِكر تيلار دو شاردان Teilhard de chardin. طار!
طوال أربعين يوماً، أواصل زياراتي المنتظمة الى السجناء، حاملة لهم ما يرسله لهم أهلهم من أغراض. أرتّب زيارة طبيب يتولى فحصهم ومعالجتهم، ولا ألبث ان أشعر بالراحة في معيتهم، إذ أجد قربهم القليل من السلام الذي أفتقر اليه في الخارج. وفي كل مرة أزورهم فيها، تبدو لي حالهم أكثر عبثية. فأنا أشهد على انهيارهم.
أفكر جدياً في مغادرة القوات اللبنانية، ولكنني استمر في ارتياد مكتبي كل يوم، والضيق يقبض على صدري. فتلك هي الوسيلة الوحيدة لمواصلة مساعدتهم. وفي المكتب، أجتنب الكلام، فلا أدلي برأي ولا أعلق على الأحداث، فيما يسعَد الكثيرون من حولي لوجودهم في عداد المنتصرين. كل المقرّبين من ايلي وفؤاد باتوا خونة بالقوة، وهم يخشون ان ترفع اسماؤهم على لائحة المشتبه بهم. فالسلطة الجديدة القائمة تُبعِد، وتُلاحِق وتعاقب كل من لم يقف في صفها، ومن لم يُشهر بإخلاصه لها. والذين كانوا يدّعون أمس، بكثير من الفخر والإعتزاز، انتمائهم الى المقاومة المسيحية، باتوا اليوم يلزمون الصمت، فلا يجرؤون على الإعتراض على ما يجري حولهم من الفظائع، بل إنهم يصبحون الأعداء الجدد، الذين يفوقون خطراً أعداء الماضي من فلسطينيين، وسوريين، ولبنانيين مسلمين. وبهذا يسود الخوف والحقد كل مكان في "بيتنا".
وهكذا، بدأت جديّاً بإعادة النظر في التزامي، اما كنت أكرر طوال تلك السنوات أفكاراً جاهزة، منمّطة؟ هل لا يزال الأمر يتعلق بالمقاومة المسيحية؟ أتلك هي الطريقة الفُضلى للدفاع عن الشعب المسيحي؟ ألسنا بصدد الإلقاء بمصيرنا بين أيدي حفنة من الوصوليين الذين يدّعون الكلام والعمل باسمنا؟ كيف يسعني ان أُبقي على إيماني بهذه القضية دون ان اخجل من تلك الوجوه المنكل بها؟ الى ماذا آلت اليه قيم المسيح، في المسيحية التي ننبري للدفاع عنها؟ فنحن استولينا على صليبه لنحوِله الى صليب من حديد، الى خنجر. انّ العقائديين ممن لم ينضجوا بعد من شبابنا، أرادوا ان يصنعوا لنا مصير شعب وقدر دولة على قياسهم. لقد فسّرنا الإنجيل بما يتلاءم مع قناعاتنا. لقد استطعنا ان نجعل من المسيح ناطقاً باسمنا: "لتكن مشيئتك على الارض كما في السماء". وبكلماتنا، وأفكارنا، جعلنا الدماء تسيل. انني ألوم نفسي أشدّ اللوم لأنني اتّبعت تلك الأفكار بسذاجة، ولم أتبين ماهية الافعال الحقيقية. لم اعد اعترف بأي من المبادىء التي شكلت قضيتي حتى الآن. فالتحليلات والبراهين والهيكليات الفكرية العقائدية القطعية التي تدّعي ارتكازها الى المنطق، ما عادت تفيد في شيء.
أفكر بكيروز، ذاك الشاب البالغ خمسة وعشرين عاماً والمولج بنشر أيدولوجية سمير جعجع. في إحدى سهراتنا، أطلق العنان لمباحثه الطويلة حول الفلسفة المسيحية، مستفيضاً في استعمال الجمل الطويلة المرصّعة ببعض من اسماء الفلاسفة، فأخذ يستشهد بكل من هيغل (Hegel) وسبينوزا (Spinoza) لدرجة لا يفطن معها سامعه انه بالكاد بلغ الخامسة والعشرين من عمره. فنظّارتاه المستديرتان، ورأسه الصغير، وقامته القصيرة ولحيته الفتيّة، كل شيء فيه يوحي بأنه صبي خجول، ولا ألبث ان ادرك مقدار خطأي عندما اعتمدت شاباً بهذه السن، مَرجِعاً أركن اليه. فتحت مظهره الهادىء المتّزن، وخلف وجهه الطفولي، يختبىء ثوري صلب عنيد، وصاحب عقيدة لا يحيد عنها قيد أنملة، فكيروز يدافع عن عقيدة مسيحية متجذرة في الماركسية التي يستلهمها.
ما أراه في السجن ليس ولا شك أفظع مما يجري كل يوم، منذ بداية الحرب، ولكنني كنت أجهل هذا العنف الذي أشهده الآن. فهذا السجن يضعني وجهاً لوجه مع فظاعة الحرب. 
"قذفنا بهم الى البحر"
في نيسان/ ابريل من العام 1986، أطلق سراح بعض من الموالين لإيلي حبيقة، بعد ان ابتلوا بأربعين يوماً من الألم أمضوها في السجن. وبعد بضعة أشهر، في صبيحة السابع والعشرين من ايلول/ سبتمبر من العام عينه، حاول ايلي حبيقة، ان يعود بالقوة. وخلال ساعات، تمكن رجاله من احتلال عدد من المواقع الاساسية في قلب الاشرفية، فما كان من الجيش اللبناني الا ان حشد جنوده، مما اضطر ايلي حبيقة الى اصدار امر بالانسحاب الى عناصره. كانت معركة قصيرة الامد، ولكن رهيبة، اذ سارع رجال سمير جعجع الى تمشيط المنطقة شبراً شبراً، وانصرفوا الى ملاحقة المهاجمين. واذ القوا القبض على البعض منهم، أردوهم على الفور قبل ان يقوموا بشد وثاقهم الى سيارة انطلقت تجرّهم في شوارع الاشرفية، ليكونوا عِبرة لمن لم يعتبر بعد. وكان من شأن بعض السجناء الذين أُطلق سراحهم مؤخراً ان عادوا فاختفوا من جديد، فيما قبعت أترقّب أخبارهم، بقلب ثقيل.
"أثقلناهم وقذفنا بهم"، هذا ما كان يتبجّح به احد الحراس الشخصيين امام اصدقائه في مكتبي. كان يتحدث بحرية وثقة مَنْ اطمأن الى انه لن يلقى عقاب أفعاله مهما حصل. وهو لم يتوان في تهنئة نفسه على اتمام مهمته دون ان يترك اي أثر، او يَمْهُرَ فعله بأي توقيع، يمكن ان يُسْتَدَلَّ بأي منهما الى هويته. ولكن ما الذي عناه حقاً ذلك الشاب عندما قال "قذفنا بهم"؟ ولماذا تحدث عن "الوزن" و "الثقل"؟
أدْخَلَت كلماته هذه الصقيع الى دمي، فراحت صور الفظاعة تتدفّق في رأسي. حاولت جاهدة ان لا أُظهر ما أشعر به، ولكن شيئاً ما كان يقبض على صدري. فبدأت أتخيَّل المشهد. بدأت أدرك ما حدث لقد اقتادوهم الى شاطىء البحر، وقاموا بقتلهم، قبل ان يوْثِقوا أقدامهم بالأوزان، ويُلْقون بهم في الماء. شعرت بالغثيان، وبافتقار رئَتَيَّ الى الهواء. كدت اختنق. وددت لو أغادر المكتب، لو أهرب. ولكن لا، امتنعت عن أية ردة فعل، ولزِمت الصمت والهدوء، علّني اعلم بالتفصيل ما جرى لهم. لقد انتزعوا كلاً منهم من فراشه ليلاً، وقاموا بتصفيتهم واحداً واحداً. لبنان، كان واحداً من هؤلاء الذين قَضَوْا حينها. لن يتمكن احد من العثور عليهم ابداً، فأجسادهم اهترأت تحت الماء، في غياهب اليَمّ. شعرت بحاجتي الملحّة الى هواء أتنشقه. وودت لو أصرخ في وجههم: "يا مجرمين". ولكنني سرعان ما ابتلعت غضبي. فما الفائدة منه الآن؟ أكان ذلك جبناً، وتخاذلاً وصمتاً امام الفظاعة؟ سأظل ألوم نفسي ما حييت على عجزها، وتقاعسها لأن يوم ذاك لم آت بأية ردة فعل، بل أحسست بضرورة المغادرة والعودة الى منزلي. فلممت أغراضي، وأمسكت بحقيبة يدي، ومشيت، ألقي التحية على من ألتقيه في الطريق، كما لو كانت الحياة طبيعية لا تشوبها شائبة. تلك كانت الحرب، وفيها استوت الفظاعة بالتفاهة، والرأفة بالضعف.
خلال اليومين التاليين، قبعت حبيسةً في منزلي، لا أغادره، وفي خاطري صورة واحدة. "قد أثقلناهم وقذفنا بهم". كنت كمن أصيبت بالشلل، اذ خارت قواي، وتلاشت طاقتي. وبعد بضعة أيام، علمت ان مسلحين اقتحموا فجراً منزل المصري. واقتادوه معهم. وسرعان ما وُجدت جثته مرمية في البرّية. فالبنسبة الى رجال جعجع، هدفت تلك الاعتقالات الى حثّ رجال حبيقة على الانفصال عنه. أما العائلات. فلم تأت بأي اعتراض، فهالني خضوعها الذي لم أفهمه. ولكن ممن كانت ستطلب العدالة؟ فهي لا تنتمي الى ذلك المحيط المؤثر الذي استأثر أصحابه بالحقوق، فأجازوا لنفسهم تقرير مصير البشر، ينزلون الموت بمن يشاؤون، ويُحيون من يشاؤون.
بعض بضعة ايام، استوثقني شاب مقرب من سمير جعجع سراً، اذ قال لي: "ان الابقاء على رجال قيد الاعتقال في السجن امر فيه احراج. اما الجثة، فهي لا تحمل توقيعاً". في تلك اللحظة، ادركت انني ما عدت انتمي إطلاقاً الى هذا العالم، واني ما عدت اريد السكوت على ما يحدث. شعرت بضرورة ان اقف، واعترض، وأتكلم.
عزمت على لقاء اعلى سلطة دينية مارونية، البطريرك، بشخصه، فتدبّر لي الاخ مارون، وقد كان راهباً شاباً، موعداً مع صاحب الغِبطة. وبمعية الاخ مارون، ذهبت الى حضرة البطريرك الماروني، بطريرك انطاكية وسائر المشرق. وجب علينا اجتياز قاعة فسيحة طويلة بيضاء اللون، اقتصر أثاثها على مقاعد حمراء اصطفت على طول الجدران، وسادها صمت كهنوتي. وفي وسط القاعة، كان البطريرك يجلس على مقعد اكثر ضخامة من المقاعد الاخرى. كان قلبي يخفق لدرجة ارتجّ لخفقاته صدغاي. 
"انني اصغي اليك"
قطع بكلماته هذه صمت تلك القاعة المتّسعة، فشعرت بنفسي وكأنني على كرسي الاعتراف، مع انني لم آت الصرح لاعترف بخطاياي همساً، وانما لأرفع الصوت عالياً فأنبىء به عن الجرائم التي كانت ترتكب بحق الآخرين. وبصوت مرتجف، رحت أسرد ما حلّ بالمخطوفين، وبالأجساد التي أُثقلت قبل ان تُقذف في مياه البحر. ولكن وجه البطريرك ظّل خالياً من أي تعبير. ومع ذلك، واصلت سردي للوقائع والفظائع، والانطباع يتكوّن لديّ باختناق كلماتي في هذا المكان البارد كما الصقيع. واستتبع كلامي صمت طويل. وللحظات قبعت في جو بات ثقيلاً، ولكنني لم البث ان أدركت ضرورة ان أستأذن غبطته بالانصراف.
كم كنت أود لو يقول شيئاً. كنت أنتظر منه إدانة، او على الأقل انزعاجاً... ولكنه لم يقل لي شيئاً، فالكلام ما عاد يكفي. انهم لا يسمعون، لقد نال الصّمم منهم جميعاً. اذ ذاك تيقّنت ان ما من احد أستطيع الاعتماد عليه فانهارت آمالي وأوهامي، يوم ادركت ان الحقيقة هي تلك الكامنة في هذا الكابوس.
وبعد الاضطراب والقلق وخيبة الأمل، استوطنني الغضب. ما عدت أستطيع العيش مكتوفة اليدين لأشهد اغتصاب كرامات الرجال المحيطين بي. فلأجل كرامتهم، ولأجل كرامتي هي الأخرى، قررت التخلّي عن كل شيء. وكان هذا قراراً لا رجوع عنه.
عيد ميلاد في السجن
لا يتأثر احد باستقالتي من القوات اللبنانية، وما من احد في محيط سمير جعجع يُظهر لي دعمه. وفي الايام التالية، احاول ان اخلو بنفسي، فأتبيّن ما يدور فيها، بدل ان اسعى الى التأثير في مجرى الأحداث بأي ثمن. فأقرر ان أمضي ميلاد العام 1986 برفقة السجناء الذين لا يزالون قيد الاعتقال.
لم يتردد الأب يوحنا خوند، وهو راهب من الرهبانية اللبنانية المارونية، في الموافقة على مرافقتي الى السجن، حيث سبق له ان زار السجناء بمعيتي عدة مرات. وجهه هادىء وديع، ووجوده ينشر العزاء والمؤاسات من حوله. في السجن، لا يتوجه ابداً الى هؤلاء الشبان بكلام يريد به وعظاً أخلاقياً. فهو لا يتكلم الا بما قلّ ودلّ، ويروح ينظر اليهم بعينيه المبتسمتين، وكأنما يحاول بهما ان يُعبّر لهم عن إدراكه لكل عذاباتهم. ولكنّ أفضل ما يفعله الأب خوند هو الإصغاء اليهم، فيبدو وكأن جسده المحدودب برمّته يحس بكل واحد من الآلام التي يكابدونها. انها المرة الاولى التي أحضر فيها قدّاساً منذ وقت طويل. منذ أشهر، لم أقرب الصلاة، ولم تطأ قدماي الكنيسة، لانشغال ذهني بأمور أخرى، والله لم يعد أولويّة لدي. وسواء صلّيت ام لم أصلّي، فانا في الحقيقة بتّ أعتقد ان الله القادر القدير، والدائم الوجود، قد تخلّى عنا، فهو لم يعد هنا. أما الجحيم، الذي كانت الراهبات الطيبات تسهبن في وصفه على مسامعنا، فأنا ما عدت أخشاه. انه هنا، ماثل امام عينيّ. في كل زيارة، وقبل ان نغادر الشبان في السجن، يبادر الأب خوند الى الغناء كما لو انه يحاول ان يضمّد جراحهم، فتنبعث من صوته طاقة منقطعة النظير، ومن عينيه طيبة لامتناهية، فيما يشعّ وجهه بالنور. ففي هذه الأوقات التي تشهد فيها الحياة عى احتقار الانسان، يواصل الرجال الرجال، كالأب خوند، إنقاذ الانسانية. 
 عشية ميلاد العام 1986، يخرج السجناء فرداً فرداً الى الرواق الضيق. لقد تقلّص عددهم، فباتوا عشرة تقريباً. يبدو بعضهم أكثر تعباً من بعضهم الآخر، فيما تخفي لِحاهم الخفيفة، الشحوب الذي نال من وجوههم. يقترب الراهب، ويشدّ على يد كل منهم طويلاً. وبدوري أشدّ على أيديهم. ان يديّ ترتجفان برداً وخجلاً. ثم، يجلس الأب خوند القرفصاء، وقد أسند ظهره الى حائط الرواق. جميعهم يقرفصون مثله، وقد اصطفوا الى جانبي الرواق، ملتصقين بالحائط، فيما يبقي احد السجناء على مسافة بينه وبين الآخرين، الى الخلف قليلاً. يحدقون جميعهم بالراهب، وكأنهم ينتظرون منه ان يتفوّه بكلمة، بكلمة تولّد الأمل في نفوسهم، بكلمة تشجّعهم على التمسك بالحياة. ولكن عوض ان يتكلم، يقوم الأب خوند بالغناء. فإذا بأغانيه، المستلهمة من الحاننا التراثية اللبنانية، تُدخل، لبساطتها، الطّيب الى قلوبنا. وفي غضون ثوان، يحوّل صوته السجن، ويشق فيه طريقاً الى الخارج، فيحررهم من هذه الحفرة التي يقبعون فيها، وكأنه أشاع في الأجواء نسمة حبلى بالمحبة، لامست أجسادهم برفق، فاخترقتها ومسّت أرواحهم، لتفيض عيونهم دمعاً. نشعر وكأن صوته اختطفنا، فنُبقي على صمتنا لوقت طويل، لا نتفوه بكلمة ولا نأتي بحركة، خشية ان نخنق تذبذب صوته الذي يَهبط بلطف كما الريشة وقد تهادى بها النسيم، فحطّ بها على مهل على العشب الأخضر الطري. ثم يرتفع صوت آخر. يا إلهي، كم هذا الصوت جميل! إنه صوت الشاب الذي استند الى الحائط، عازلاً نفسه قليلاً عن المجموعة. إنه فلسطيني، وهو، للهجته، ما أدركه على الفور. أرفع عينيّ اللتين أبقيت على انخفاضهما حتى الآن، خِشية ان تلتقيا بعيون هؤلاء الرجال التي رطّبها الدمع، فأجد ان الزرقة حول عينيه، لم تمس نظرته الفخورة بكُمدة، كما لو ان السجن لم يقوَ على قهر تمرّد الكرامة فيه. يخترق صوته القضبان، وفضاء المكان، والحدود. يبدو وكأنه يأتي من البعيد، نابعاً من وطنه الأم، حيث وُلد لأمه التي لأجلها ينشد أغنيته، صادحاً "يا ماما"، فتشبه صرخته تلك التي نطلقها عندنا، عندما نكابد الألم والضيق والخوف. فإذا بكل الشبان من حوله يتأوهون تحسّراً، في لحظة من الخلود، توقّف انسياب الزمن عند تخومها، تمتص كل شيء: الحنين، والتوق الى الأفق الرحيب، والاشتياق الكئيب الى الحب، والأحلام، والآلام. انها لحظة فريدة كتلك التي يعيشها المرء مرة واحدة في حياته كلها، والتي تملأ حياةً بكاملها ذِخراً.
وعندما يتوقف الشاب الفلسطيني عن الغناء، يتواصل تذبذب صوته لوقت طويل، قبل ان يعود الصمت ليُرخي بثقله في المكان. مرّت سنوات عشرون، اعتقدت خلاها انني نسيت ذلك الصوت، انني نجحت في الانفصال عن الماضي. أمضيت كل تلك السنوات، أجهد في التطلع الى الغد، فأنظر على الدّوام الى الامام. ولكن الحفرة تزداد تجوّفاً وعمقاً في نفسي، فيفرغني الصمت على مهل. ما من صوت او صخب نجح في إخماد جذوة تلك الذكرى، ذكرى ليلة الرابع والعشرين من شهر كانون الاول/ ديسمبر من العام 1986، التي أمضيتها في سجن مرتجل، في مكان ما من بيروت الثّكلى بناسها وكرامتها. فعند كل أزمة، عند كل كآبة تحّل بي، يعود ماضيّ ليثب من غياهب الذاكرة، فيحطّ حطّاً عنيفاً في حاضري.
اليوم اكتب لأجلك ايضاً ايها الفلسطيني. فأنا لا أعرف إسمك ولا السبب الذي لأجله اعتقلت. ولكنني أحس انني أعرفك فأبكيك بقدر ما أبكي لبنان، وإيلي، وجوزيف والآخرين. في الماضي، لم أكن أبكي الا أبناء ملّتي، اذ لم يكن وجود لك في نظري. لم تكن حياتك لتعني لي شيئاً وهي لم تدخل أبداً في حسباني. مع أنك كنت هنا، وكان على وجودك ان يفقأ عينيّ فأراك، ولكنني كنت أبحث في مكان آخر. أما اليوم، فأنت الصوت الذي أيقظني. صوتك انساب على جراحي، فحمل اليها الطّيب والطبّ. كان عليّ ان أمرّ في ذلك السجن لأراك، لأبكي الانسان الذين قتلوه فيك. لم أرك مرة أخرى، فانا لم أعد ابداً الى ذلك السجن بعد تلك الليلة التي كان لوجداني فيها يقظة. وانت لم تخرج ابداً من تلك الحفرة، شأنك في ذلك شأن الكثيرين من رفاق سجنك. قيل لي انهم أردوك قبل مغادرة المكان. أطلب منك ان تسامحني. إغفر لي، لأنني لم استطع تحريرك. إغفر لي لأنني لم استطع إنقاذك. فأنت من حرّرني من حقدي، انت من أخرجني نهائياً من الحرب. دخل بي إخوتك الفلسطينيون الى سجن الحرب، وأنت، فلسطيني في السجن، أخرجتني منه.
أدرك اليوم ان الذين حاولوا سلبك كرامتك، فقدوا كرامتهم، إذ حلّت بهم لعنة غاصت بهم في غياهب الحياة، فحملتهم الى الجهة الأخرى منها، حيث لا معنى للحياة، حيث الحياة عاقر وصمّاء، حيث الحياة وهم، وزهو، وخيلاء وإبهام.
انت، يا صديقي، يا رجلاً ما عرفت اسمه، يا شادياً في حفرة، انت من حملني بصوته وشدوه، الى حيث انا الآن، أرى بعكس ما كنت أرى، أحيا بعكس ما كنت أحيا، فصوتك يدوّي في نفسي، بصدى مَاثَلَ قوة صدى صليب ذلك الرجل، الذي وُلد في قعر زريبة قامت على أرضك، في ليلة من ليالي كانون الاول/ ديسمبر. فطوال الحرب، أقفلنا على المسيح، في عقيدة، وارتضينا العنف الذي نهانا عنه، فلم ندرك انّ من ارتضى العنف مرّة، ارتضاه ألف مرّة، واندمج في صُلب كل وجوهه. صوتك المخملي وصليبه الخشبي أماتا فيّ كل أنواع العنف، وصرعا كل الأحقاد. وإذا قطع صوتك الشجيّ صمتي وبدّده، أدرك اليوم انني لو لم اسمعك تغني لما سمعت صوت الانسان، أدرك اليوم، انني لو لم أشهد عذابك وبكاءك، لما فهمت ان الضّياع لم ينل من كليتي، وانني استبقيت لي نفحةً من انسانية كنت أجهلها. بصوتك وصليبه، فهمت كيف تجترح المحبة الأعاجيب.
لقد أسكتوا صوتك ذاك، بعيداً عن أرضك، بعيداً عن أمك، انت الرجل الذي غنّى أمه في قعر حفرة. وانا اليوم، ارفض ان أُسكِت صوتك بصمتي مرة جديدة، وانما اريد ان احمله بعيداً، عالياً، لأصل به الى مسامع امك التي لا تزال تنتظرك، فتصغي اليه، وتجدك، وتبكيك.
بعد بضعة أشهر على خروجه من السجن، قطع غسان خطوط التماس خِلسةً، لينضم الى أهله في زحلة. الأب يوحنا خوند، "الراهب الذي يغني"، كما يسمونه، اختار التخلي عن الحياة بصحبة البشر، مفضلاً عليها الانعزال عن العالم لينصرف الى النُّسك والتوحّد في مكان ما من جبل لبنان، حيث يكرّس صوته للصلاة.
اما انا، فبعد ليلة الميلاد تلكً قررت ان أذهب بعيداً، فغادرت لبنان لأجد لي مستقراً في فرنسا، "أمنا الحنون"، كما كانت تقول جدتي. وبعد اشهر على وصولي الى منفاي الاختياري ذلك، أنزل سمير جعجع حكم الإعدام بشابين مسيحيين من شباب القوات اللبنانية، في جو من الجلبة والصّخب لكي يسمع كل من به صمم، اذ وجدت "المحكمة العسكرية" فيهما خائنين، على خلفية تعاملهما مع كل من ايلي حبيقة وسوريا.
مرّت سنوات عشرون، ابتعدت خلالها، الى ان وقعت، لدى زيارتي لأمي، على ورقت النعي تلك، الملصقة على باب الكنيسة المشبّك. تلك كانت ورقة تنعي ام لبنان. كان الموت قد رحل بها، بعد ان فتك بها السرطان ونخر عظامها. فأدركت انني استطيع الآن ان اقول ما ينبغي عليّ قوله، وما أبقيت عليه طيّ الكتمان طوال كل تلك السنوات. فهي لم تعد تنتظر عودة لبنان.
وهكذا قررت ان اكتب. لأجلها، لأجلكم، فانا أدين لكم بالكثير الكثير. أكتب علّني أعيدكم الى الارض التي وددتم لو ترقدون فيها الى الأبد. أكتب، علّ غناءك، غناء الكرامة، يعبر من خلال قلمي الى الحياة، فيعلو فيها وبها من جديد
(BDC)

No comments:

Lebanon Time-Line

Introducing Lebanon

Coolly combining the ancient with the ultramodern, Lebanon is one of the most captivating countries in the Middle East. From the Phoenician findings of Tyre (Sour) and Roman Baalbek's tremendous temple to Beirut's BO18 and Bernard Khoury's modern movement, the span of Lebanon's history leaves many visitors spinning. Tripoli (Trablous) is considered to have the best souk in the country and is famous for its Mamluk architecture. It's well equipped with a taste of modernity as well; Jounieh, formerly a sleepy fishing village, is a town alive with nightclubs and glitz on summer weekends.

With all of the Middle East's best bits - warm and welcoming people, mind-blowing history and considerable culture, Lebanon is also the antithesis of many people's imaginings of the Middle East: mostly mountainous with skiing to boot, it's also laid-back, liberal and fun. While Beirut is fast becoming the region's party place, Lebanon is working hard to recapture its crown as the 'Paris of the Orient'.

The rejuvenation of the Beirut Central District is one of the largest, most ambitious urban redevelopment projects ever undertaken. Travellers will find the excitement surrounding this and other developments and designs palpable - and very infectious.

Finally, Lebanon's cuisine is considered the richest of the region. From hummus to hommard (lobster), you'll dine like a king. With legendary sights, hospitality, food and nightlife, what more could a traveller want?

Introducing Beirut

What Beirut is depends entirely on where you are. If you’re gazing at the beautifully reconstructed colonial relics and mosques of central Beirut’s Downtown, the city is a triumph of rejuvenation over disaster.

If you’re in the young, vibrant neighbourhoods of Gemmayzeh or Achrafiye, Beirut is about living for the moment: partying, eating and drinking as if there’s no tomorrow. If you’re standing in the shadow of buildings still peppered with bullet holes, or walking the Green Line with an elderly resident, it’s a city of bitter memories and a dark past. If you’re with Beirut’s Armenians, Beirut is about salvation; if you’re with its handful of Jews, it’s about hiding your true identity. Here you’ll find the freest gay scene in the Arab Middle East, yet homosexuality is still illegal. If you’re in one of Beirut’s southern refugee camps, Beirut is about sorrow and displacement; other southern districts are considered a base for paramilitary operations and south Beirut is home to infamous Hezbollah secretary general, Hassan Nasrallah. For some, it’s a city of fear; for others, freedom.

Throw in maniacal drivers, air pollution from old, smoking Mercedes taxis, world-class universities, bars to rival Soho and coffee thicker than mud, political demonstrations, and swimming pools awash with more silicone than Miami. Add people so friendly you’ll swear it can’t be true, a political situation existing on a knife-edge, internationally renowned museums and gallery openings that continue in the face of explosions, assassinations and power cuts, and you’ll find that you’ve never experienced a capital city quite so alive and kicking – despite its frequent volatility.