17 November 2010

* لبنان الاختلاط يتراجع... كل طائفة تعيش في قبرها

ابن بيروت الهارب من ضوضاء مدينته والباحث عن الهدوء في عرمون وبشامون، عليه أن يقدّم أوراق اعتماده إلى الطائفة ليحصل على سند التمليك. وابن الضاحية الذي يحب المدينة وتمنعه ظروفه من السكن فيها، ستحول طائفته بينه وبين السكن في الأشرفية. والشاطر من ينجح في التمويه ولا تُكشف حقيقته الطائفية إلا بعد أن يصبح داخل شقته الجديدة. عندها تبدأ معركة التحمّل
ربى أبو عمّو
حين اتصل حسين نصر الله للسؤال عن الشقة المعروضة للبيع في منطقة بعبدا، جاء الجواب، بعدما سُئل عن اسمه، أنها بيعت. ابنه الذي طلب منه مراراً الكفّ عن البحث في المناطق المسيحية، أراد أن يبرهن لأبيه صحة ما يعتقد. أعاد طلب الرقم مدعياً أن اسمه إيلي خوري: «أهلاً أستاذ، يمكنك القدوم وقتما تشاء لمعاينة الشقة»!

مرّت السنوات العشرون على انتهاء الحرب لتبرهن أن الاختلاط الذي أنتجته فترة سماح سببها الفوضى ولملمة الماضي، مجرّد كذبة. وكأن الرشد غادر اللبنانيين مؤقتاً، وما لبثوا أن استعادوه. عادوا يتكومون بعضهم فوق بعض طائفياً، رافضين الآخر.

لم يكن في الاسم الثلاثي لرلى أي دلالة على هويتها الطائفية. ذهب صاحب الشقة السنيّ التي أرادت استئجارها في وقاحته إلى النهاية. سأل عن مسقط رأسها وطائفتها. لم يكفه أنها سُنية، فارتباطها بشاب شيعي دفع المالك الحريص على منطقته إلى الاعتذار منها بصراحة؛ لأن «الشيعة ما أجرونا لمّا رحنا لعندون».

وأن يتجه ثنائي إلى منطقة رأس النبع بحثاً عن شقة، لهو التهور في ذاته. تحوم الأسئلة حوله: «كيف تنويان السكن في منطقة تماس بين السُّنة والشيعة؟».


وإن كان الشيعي خطراً على المسيحي، فللسُّني أيضاً نصيبه. عين الجديدة قرية مسيحية معروف أنها تعجّ بالمصطافين، مثل القرى التي تحاذيها. يروي ناسها قصة رجل اشترى قطعة أرض بُعيد انتهاء الحرب الأهلية وتركها على حالها، لكنه عاد قبل فترة محاولاً شراء العقار الذي يحاذيها لكي يوسع مساحته ويعمّر بيتاً له. تدخلت البلدية ومارست ضغطاً على صاحب الأرض كي لا يشتري من الرجل الذي صودف أنه من الطائفة السنية.

لا تقتصر المسألة على التقسيم الطبقي للناس. فالأصفار الستة التي يملكها بعض الشارين لم تعد جواز عبورهم وهجرتهم إلى غير بيئتهم الطائفية. ومَن كان علمانياً وخَبرَ العيش في مناطق معروفة باختلاطها تاريخياً، اختلطت عليه الأمور ودفعته إلى العودة مكرهاً إلى أحياء لطالما مقت العيش فيها. لكن اليوم لا خيار له إلا الاحتماء بالطائفة؛ لأن عامل الأمان النفسي والاجتماعي أصبح أولوية.

بعض اللبنانيين اختبروا الاختلاط الحقيقي حين اختاروا العيش في منطقة الطائفة الأخرى، متجاوزين سنوات الحرب ومخاوف المحيطين بهم، مقتنعين بتقبّل هذا الآخر لهم أو متجاهلين إياه ومتحمّلين الضيق الذي ينتج منه، لأنهم، انطلاقاً من نظرتهم العلمانية، يعرفون أن السلبيات لن تحسب أمام أن ينشأ أولادهم في بيئة غير بيئة طائفتهم لكي يعيشوا الاختلاف الحقيقي. هذه هي حال طارق، الشاب المسيحي الذي يرى أنه لا سبيل لزرع العلمانية في قلب أولاده، إلا إذا انتقل للعيش في منطقة ذات وجود طاغ للطوائف المسلمة. وتقول أسرة مسلمة اختارت السكن في فرن الشباك: «إذا كان لا بد للحرب من أن تقع، فليس بالضرورة أن يضطروا للعودة إلى مناطقهم (نسبة إلى الطائفة). فالبعض حمى جيرانه من طوائف أخرى خلال الحرب الأهلية». تجاوزت هذه الأسرة رفض المالك المسلم (علماً بأنه اشترى لاحقاً من بعض المسلمين) بيع شقق أخرى لمسلمين، مراعاة للبلدية التي اشترطت عليه لإنهاء معاملات بيع العقار وتسهيل حصوله على الأذونات، ألّا يشتري من غير المسيحيين. تجاوزت كل هذه الأمور لأنها أدركت أنها لن تستطيع العيش في المنطقة التي خصّصت لها اجتماعياً، لأسباب نفسية واجتماعية واقتصادية عدّة.
لكن، قد يجوز السؤال هنا: هل هذه الأسرة متأكدة من الحماية التي ستحظى بها إذا اندلعت الحرب؟ وماذا عن موقف جيرانها المسيحيين منهم؟ تقول إنه لا تجمعهم بجيرانهم سوى التحيات الصباحية والمسائية، نظراً لانهماكات الجميع، إلا أنهم لا يشعرون برفض هؤلاء المسيحيين لهم أو بجفلتهم منهم.
الوضع في لبنان دخل «أسوأ حالاته الديموغرافية ومستقبله الاجتماعي»، انطلاقاً من تكريس الفرز الطائفي والمذهبي في الأحياء والأبنية. هذا ما يقوله عالم الاجتماع زهير حطب. قد يكون هذا امتداداً صامتاً لفترة الحرب الأهلية، التي لم تستطع بعدُ انتشال الخوف من نفوس جميع اللبنانيين. حتى الجيل الجديد الذي لم يعش الحرب، تحوّل إلى ضحية لهذا الماضي الذي يرفض أن يوضع جانباً.
يتطابق تحذير حطب مع كثرة تداول الشائعات أو الحقائق عن فرز طائفي بدأ عدد من البلديات المسيحية تطبيقه علناً. هذه الشائعات طاولت بلديات الحدث وجزين وكفرشيما. يقول المسلمون، الشيعة منهم خصوصاً، إن بلدية الحدث أصدرت قراراً يمنع بيع المنازل والأراضي التي يملكها مسيحيون. قرارٌ نفاه رئيس البلدية جورج عون بشدة (رغم أنه تحدث عنه جهاراً على إحدى الشاشات)، لكنه لم ينف وجود مثل هذه الإجراءات. تبريره أنه ليس قراراً بقدر ما هو إقناع مسيحيي الحدث بعدم بيع ممتلكاتهم والبحث عن السكن في أماكن أخرى، رائياً إلى جهوده على أنها للحفاظ على هوية الحدث تكريساً للاختلاط الطائفي بين المناطق، وليست فرزاً!
دائرة نفوس الحدث تشير إلى ديموغرافية المنطقة على الأرض قبل الحرب. كانت مكونة من 9 آلاف ماروني، ألفي أرثوذوكسي، 700 كاثوليكي، 700 شيعي و700 سني. دائرة النفوس حافظت على أرقامها هذه حتى اليوم، إلا أن واقعاً جديداً فرض نفسه بعد الحرب، ويتمثل بـ«التمدد الشيعي».
يضع عون خريطة الحدث فوق مكتبه. يشرح ديموغرافيا المنطقة حالياً ويقسمها قسمين متساويين: الجزء الذي تعرض «للتمدد الشيعي» كان عبارة عن أراض زراعية غير مسكونة، باعها أصحابها المسيحيون من الشيعة بعد انتهاء الحرب، حتى كوّنوا الغالبية. أما القسم الآخر، الذي يعرف بالحدث الضيعة، فهو ذو الغالبية المسيحية، وهو الجزء الذي تسعى البلدية إلى طمأنة ساكنيه وحثهم على عدم مغادرة بلدتهم، فيما التنسيق جار مع حزب الله للمساعدة على تفهم الوضع ومحاولة الحد من توسع المسلمين إلى أكثر من الحدود المرسومة لهم.
يضيف عون أن نحو 60 في المئة من التلامذة في المدارس (المسيحية) هم شيعة.
«الشائعة» نفسها تنسحب على بلدية جزين. ينفي رئيس البلدية وليد الحلو هذه التهمة، مشيرأ إلى أنه «لم يعد هناك أراض للبيع في المنطقة».
كيف يمكن تصنيف مناطق الحدث وفرن الشباك وبعبدا وقلة غيرها؟ يقول حطب: «انقضى عهد الاختلاط الطائفي، وبتنا نتّجه نحو الفرز الطائفي والمذهبي في الأحياء والأبنية». يرفض استخدام عبارة اختلاط لأنها، في رأيه، وصف خاطئ للوضع القائم، مفضلاً كلمة تجاور، بمعنى عائلتين تسكنان جنباً إلى جنب بلا إضافات. ولتقريب فكرته، أعطى مثالاً زوجاً وزوجة يجلسان على كنبة واحدة، فيما يدير كل منهما ظهره للآخر.
ويعطي حطب مثلاً آخر عن الجامعة اللبنانية. يقول: «كان الاختلاط الطائفي أمراً واقعاً. اليوم، طغى اللون الواحد على الجامعة». يتابع أن «ما نسبته 90 في المئة من الطلاب هم من لون واحد، مقابل 10 في المئة من طوائف أخرى، لكنهم مرغمون».
واقعٌ فرضته الحرب وكرسته فترة ما بعد الحرب. يستذكر حطب أنه أجرى مسحاً سكانياً في عام 1973لحي السيدة في رأس النبع، بالتعاون مع المطران غريغوار حداد، وبلغت نسبة المسيحيين في ذلك الوقت 65 في المئة. أما الخط الممتد خلف الترامواي (شارع محمد الحوت)، فكان يقطنه 80 في المئة من المسيحيين. في ذلك الوقت كان الاختلاط «فعلياً». كأن تجد مبنىً تقطنه عائلتان مسيحيتان وأخرى مسلمة.
الغوص في الأسباب يعني البحث في التاريخ السياسي والنفسي الاجتماعي لأجيال أرادت حصر نفسها باللون الواحد. يقول حطب إن السبب الأساسي يكمن في «فقدان التصور الإيجابي عن الآخر، لأن الطائفة عرفت الأخرى في الأوقات الحرجة. وما إن يلتقي أحدهم الآخر حتى يعيد تشغيل الأسطوانة التى تتضمن الصفات المسجّلة فتزدحم في رأسه عفواً الأفكار المسبقة وتسيطر عليه». في المقابل، لأن الأمان مفقود في البيئة الطائفية المختلفة، يشعر الفرد بأنه «كلما زاد في عدائه للآخر نال استحسان جماعته، ما يزيده عزة ونفوذاً».
ماذا عن حارة حريك الشيعية اليوم، تلك التي عرفت الاختلاط قبل الحرب؟ بين بساتين الليمون التي حلّت محلها الأبنية، اختلطت الطائفتان المسيحية والمسلمة. كانتا تشعران بأمان باغتهم بسرعته في الانقراض. بدأت الحرب وترك المسيحيون الحارة بسبب الفلسطينيين لا اللبنانيين المسلمين، كما يقولون. غادروها، باعوا ممتلكاتهم باحثين عن مكان آخر. اليوم، يأتي بعض «الحارَويين» المسيحيين إلى ضيعتهم الأم لحضور قداس الأحد. باتت الكنيسة هي المكان المشترك الوحيد بين الماضي والحاضر. إلا أن هذا الحنين لم يدفع أحداً منهم إلى العودة. صحيح أن البعض يعترف بأن الخوف من بيئة حزب الله كان أحد الموانع الأساسية، إلا أن تفاهم الحزب مع التيار الوطني الحر جعلهم يجرؤون على النزول إلى الضاحية للمشاركة في القداس، فيما استقرار الجميع في أماكن أخرى يمنعهم من العودة إلى الحارة.
لم يعترف أحد بأن الحنين إلى «الحارة» ليس إلى حارة اليوم التي تغيرت ديموغرافياً، وهذا سبب رئيسي للبقاء خارجاً. على كل حال، سيظهر مدى الحنين في حال تجاوُب مسيحيي الحارة مع مشروع أبرشيتها بإنشاء مبنيين سكنيين بغية تشجيع المسيحيين على الإقامة في المنطقة.
بعض مسيحيي الحارة تجاوزوا الماضي، ولو بحذر، وباتوا يزورونها. في المقابل، حتى اليوم، لم تطأ قدما نزهة «المنطقة الغربية». تشعر بأن خطراً يتهددها بمجرد وصولها إلى ذلك المكان الغريب. صديق ابنها مسلمٌ، وقد اعتاد الإقامة عندهم في فترة الامتحانات. لم يكن ينتابها تجاه هذا الشخص المختلف طائفياً أي شعور بالخوف. إلا أنه بمجرد أن يقرر أحد أولادها الذهاب إلى «الغربية» تضع يدها على قلبها وتطلب من هذا الصديق المسلم حمايته!
تعكس نزهة وجهة نظر لا تزال سائدة لدى جيل الحرب. إلا أن هذا الجيل نقل تجربته إلى الجيل الشاب، الذي ترسّخ في لا وعيه خوف قد يفرض عليه ممارسات مختلفة حين يتطلب الأمر.
حتى سائقو سيارات التاكسي فُرزوا مناطقياً. تخيل نفسك واقفاً على جادة سامي الصلح وتطلب خدمة التوصيل إلى عين الرمانة؛ أي المسافة نفسها إلى المشرفية. ستعرف فوراً أن من يرفض إيصالك هو مسلم ومن يقبل هو مسيحي يعمل في حدود منطقته.
يقول حطب إن الوضع في لبنان هو أشبه بالمقبرة. يتجاور الموتى من دون أن تجمعهم كلمة واحدة. كلٌّ في قبره. هذا يجاور ذاك. لكن الكلام مقطوع. الجميع يديرون ظهورهم للجميع.

(alakhbar)

No comments:

Lebanon Time-Line

Introducing Lebanon

Coolly combining the ancient with the ultramodern, Lebanon is one of the most captivating countries in the Middle East. From the Phoenician findings of Tyre (Sour) and Roman Baalbek's tremendous temple to Beirut's BO18 and Bernard Khoury's modern movement, the span of Lebanon's history leaves many visitors spinning. Tripoli (Trablous) is considered to have the best souk in the country and is famous for its Mamluk architecture. It's well equipped with a taste of modernity as well; Jounieh, formerly a sleepy fishing village, is a town alive with nightclubs and glitz on summer weekends.

With all of the Middle East's best bits - warm and welcoming people, mind-blowing history and considerable culture, Lebanon is also the antithesis of many people's imaginings of the Middle East: mostly mountainous with skiing to boot, it's also laid-back, liberal and fun. While Beirut is fast becoming the region's party place, Lebanon is working hard to recapture its crown as the 'Paris of the Orient'.

The rejuvenation of the Beirut Central District is one of the largest, most ambitious urban redevelopment projects ever undertaken. Travellers will find the excitement surrounding this and other developments and designs palpable - and very infectious.

Finally, Lebanon's cuisine is considered the richest of the region. From hummus to hommard (lobster), you'll dine like a king. With legendary sights, hospitality, food and nightlife, what more could a traveller want?

Introducing Beirut

What Beirut is depends entirely on where you are. If you’re gazing at the beautifully reconstructed colonial relics and mosques of central Beirut’s Downtown, the city is a triumph of rejuvenation over disaster.

If you’re in the young, vibrant neighbourhoods of Gemmayzeh or Achrafiye, Beirut is about living for the moment: partying, eating and drinking as if there’s no tomorrow. If you’re standing in the shadow of buildings still peppered with bullet holes, or walking the Green Line with an elderly resident, it’s a city of bitter memories and a dark past. If you’re with Beirut’s Armenians, Beirut is about salvation; if you’re with its handful of Jews, it’s about hiding your true identity. Here you’ll find the freest gay scene in the Arab Middle East, yet homosexuality is still illegal. If you’re in one of Beirut’s southern refugee camps, Beirut is about sorrow and displacement; other southern districts are considered a base for paramilitary operations and south Beirut is home to infamous Hezbollah secretary general, Hassan Nasrallah. For some, it’s a city of fear; for others, freedom.

Throw in maniacal drivers, air pollution from old, smoking Mercedes taxis, world-class universities, bars to rival Soho and coffee thicker than mud, political demonstrations, and swimming pools awash with more silicone than Miami. Add people so friendly you’ll swear it can’t be true, a political situation existing on a knife-edge, internationally renowned museums and gallery openings that continue in the face of explosions, assassinations and power cuts, and you’ll find that you’ve never experienced a capital city quite so alive and kicking – despite its frequent volatility.